طووط،طوووط..طوو..
-ألو..؟
-يا بايخة،يا غيّابة
تضحك،ثم تجيبني بصوتها الرقيق..
-حرام عليكِ
_تغيبي وتخونينا وحرام علينا؟!!
-اسمعيني..
أقاطعها:
-لا لا لا،بدون أعذار واااهية..
-اسمعيني،والله من جد..
أهمّ بأن أكمل سيل عتاباتي وتهجماتي،لكن صوتها الذي لا يحمل تلك النبرة المتساهلة،النبرة التي تميزها..تميز "ريم" صديقتي التي تأخذ الحياة ببساطة تامة،وتردد دائماً شعارها المفضل:" مشِّي حالِك،حالِك يمشي"،صوتها الذي بدا مضطرباً هذه المرة هو ما استوقفني..
-"ريم"،ما الذي حدث؟
يصلني صوتها صغيراً،محشرجاً،وحتى من على سماعة الهاتف،بدا لي..مبللاً!
- "راجي".."راجي" يا "فداء"..
-----
لا أدري إن كنت قد بدأت قصتي من المكان أو الزمان المناسب..وهل أخطأت في سرد نهاية "راجي" قبل أن أكتب عن بدايته؟ لكن..مايغفر لي– إن كنت أخطأت-هو أن النهاية قريبة من البداية،قريبة جداً..
فـ"راجي"،أخو "ريم"،الذي اختلفنا في تحديد عمره،إذ هل يحسب عمر الإنسان بمجرد ولادته؟ربما يبدو الجواب بـ"نعم" بديهياً،لكن..ماذا عمن يولد قبل اكتمال نصابه؟قبل أن يكمل أشهره التسعة في رحم أمه؟ماذا عمن يولد غير مكتمل النمو وقبل أن يكمل شهره الخامس،كما هو الحال مع "راجي"؟!خرجنا حينها بفلسفة ترضي الجميع؛وهي أن عمره الزمني-أي منذ ولادته-هو سبعة أشهر،بينما عمره الجسمي-تبعاً لحجمه ونموه-هو ثلاثة أشهر فقط!
أذكر جيداً كيف جاءتنا "ريم" يوم ولادته،أو بالأحرى يوم خروجه المفاجئ قبل موعد ولادته قلقة عليه وعلى أمها التي نزفت قبلها كثيراً..حاولنا حينها طمأنتها،وسردنا عليها من معلوماتنا الطبية المتواضعة ما قد يريحها..لكن الأيام التي تلت ذلك اليوم هي التي كانت كفيلة بطمأنة قلبها..
فـ"راجي" الذي كان قد نُقل إلى مشفى آخر أكثر قدرة على رعايته،كان يُظهر تحسناً..إذ أن مجرد كونه على قيد الحياة بعد يومين من ولادته يُعدّ تحسناً ملحوظاً على حدّ قول الأطباء..هم لم يقللوا حينها من خطورة كونه غير مكتمل التخلق والنمو،لكنهم زرعوا بذرة أمل في تربة "ريم" الخصبة بالتفاؤل..
كنا حينها في تلك الفترة بالذات،قد تعمقنا في دراسة علم الأجنة،الذي ظننا في البداية أنه عالم إسفنجي وردي وناعم جداً تماماً كبشرة الأطفال،لنكتشف أنه معقد وصعب جداً..ونفقد اهتمامنا بالمادة برغم أهميتها..
ولادة "راجي"،كانت نقطة التحول في نظرتنا لهذه المادة..!
-----
- بنات..بنات،أرجوكن ادعو لـ"راجي"،فاليوم سيجرون له عميلة لسد ثقب القلب
وصلت "ريم" يومها إلى الجامعة متأخراً،وقد بدا عليها الإرهاق والتعب..كان قد مرّ على ولادة "راجي" أسبوعٌ أو اثنان.
تسألها "نهى"
-سد الثقب؟أي ثقب تقصدين؟
تتردد "ريم" في الإجابة
-إمم..لا أعرف
أسرع بفتح كتاب "علم الأجنة"،أقلب صفحاته بحثاً عن الفصل الذي يتحدث عن تكون القلب..
-تقصدين الثقب الذي بين الأذين الأيمن والأيسر؟
تدقق"ريم"النظر في الصورة التي أشير إليها..
-همم..ربما
تبادر "نهى"
-إذا كان هذا هو الثقب المقصود،فطبيب القلب في ذلك المشفى لا يفهم!لأن هذا الثقب يُغلق من تلقاء نفسه..
أومئ برأسي مؤيدة لما قالته "نهى"،فتضحك "ريم"..
-صدقوووني..الطبيب الذي سيجري العملية "استشاااري"،وليس طالباً في السنة الثانية بكلية الطب!
نضحك معها حينها،ثم نسرع للقاعة حتى لا تفوتنا المحاضرة..
-----
أسألها يوماً ما،بعد أن أصبح "راجي"دليلنا في دراسة علم الأجنة،بعد أن صار اهتماماً مشتركاً وجزءاً يومياً من مناقشاتنا واختلافاتنا..فبينما تزعم"نهى"أنها أكثرنا فهماً في علم الأجنة وبالتالي في حالة"راجي"،أصرّ أنا على أن لي مستقبلاً جيداً كاستشارية في جراحة الأطفال الغير مكتملي النمو،وتدّعي"ريم"أنها تفهم حالته أكثر لأنه أخوها..لكن الحقيقة أنه صار أخونا جميعاً..لذا،لم أجد حرجاً في سؤالها..
-لِم"راجي"يا "ريم" ؟!
-ألا يعجبك الاسم؟
لم أُرِد أن أكون فظة..فاكتفيت بالصمت..
تتنهد
-أفهمك،لكنه ليس اختياري أو اختيار أمي..أبي يريد هذا الاسم
تسألها "نهى"
-لماذا؟
-يقول أبي:لأن معناه "الرجاء"،ونحن نرجو الله أن يعيش..!!
-----
"نرجو الله أن يعيش"..لا أعرف لِم يتردد صدى هذه الجملة بالذات في مخيلتي أثناء ذهابي لمنزل "ريم"..ليس هناك عزاء أو أي شيء من هذ القبيل..فالكثيرون لا يعلمون حتى بوجود"راجي"،لكنني أذهب إليهم من أجل"ريم" كما أخبرت أمي،أو ربما..ربما من أجل"راجي"،مع أنني لا أريد الاعتراف لنفسي بذلك..
أحاول الانشغال عن التفكير بالنظر من خلال نافذة السيارة..العمائر وناطحات السحاب،أعمدة الإنارة وإشارات المرور،السيارات بمختلف أحجامها وألوانها..كل شيء يبدو لي كبيراً،كبيراً جداً أمام "راجي" الصغير جداً..ألمح أطفالاً في سيارات أخرى يتحدثون،يضحكون،يحدقون من نوافذ سياراتهم..فأجدني أفكر في "راجي".."راجي" الذي لم يرَ في حياته سوى المشفى من خلال زجاج الحاضنة التي كان يعيش بداخلها..وحتى حين نُقل إلى المشفى الآخر بسيارة إسعاف،لا أظن أنهم قرّبوه من النافذة ليحدق في العالم من حوله،بل حتى وإن فعلوا؛هل كانت عيناه مكتملتين حينها أو قادرتين على التحديق..؟!
-----
تستقبلني "ربى" عند وصولي لمنزلهم،تبدو غاضبة فأحاول ملاطفتها..
-"ربى"..كبرت ما شاء الله..!
تتجاهلني،وتركض للداخل وهي تتذمر..
-جاءت"فداء" أيضاً!لِم يحقّ لـ"ريم" أن تدعو صديقاتها بينما لا يحق لي؟!
أجدني أقف وحيدة عند الباب،فأشعر بالحرج..أفكر في دقّ الجرس مرة أخرى،لكن قبل أن أفعل..
- أهلاً"فداء"،تفضلي..
تشير لي "أم ريم" بالدخول،وتغلق الباب ورائي..
أمعن النظر فيها..وجهها غدا شاحباً مصفراً،ولا أثر فيه لتلك الحمرة والنضارة الني ورثتها"ريم"عنها،عيناها..غائرتان بلا بريق،وبهالات سوداء تحيط بها..
-"ريم" في الأعلى،في غرفتها..
أنتبه إلى أنني أطلت التحديق فيها،وأطلت الوقوف والصمت أيضاً..
-إمم..خالة
أتذكر كم عانت أثناء ولادته..أتذكر كيف كانت تذهب يومياً لذلك المشفى البعيد لكي تراقب "راجي"خلف الزجاج..
-خالة..
أتذكر كيف كانت تلمسه من فتحة الحضّانة،ثم كيف صارت ترضعه..كيف عانت حينها لكونه بعيداً عنها..
ثم..مات!هكذا فجأة!بعد أن كان خروجه متوقعاً خلال الأسابيع المقبلة..خروجه "للحياة"،وليس "منها"..
أتذكركل هذا،فلا أجد ما أقوله،أغمغم
- هو طير..طير في الجنة الآن،ينتظرك هناك..
ثم أسرع نحو غرفة "ريم" قبل أن ترى دمعتي التي أفلتت..
-----
أستلقي الليلة على سريري دون أن يغمض لي جفن..أتردد،ثم أتصل على جوال "ريم"..لا أظن أنها نامت بعد،لا أظنها ستنام الليلة أبداً..
-ألو
-أهلاً "فداء"
أكتشف أنه ليس لدي ما أقوله،فأسألها..
-متى خرجت "نهى"؟
-بعد خروجك بقليل
أحاول الحديث عن أي أشيء،أي موضوع عداه..
-غرفتك بدت أكثر "اخضراراً"..
تضحك ضحكة صغيرة مكتومة،أو ربما هي "نصف" ضحكة
- لا لا، هُيّئ لك..هي خضراء و"تفاحية" على حالها
استُنفذت محاولاتي لتغيير الموضوع،فأصمت..وتصمت هي أيضاً.
نصمت طويلاً،طويلاً جداً..حتى كدت أنسى أنها على الطرف الآخر..
أهمّ بالحديث،فتسبقني..
- تعرفين؟!أكثر ما يؤلمني يا "فداء"هو أنه كبُر..لم يعد جسماً هلامياً صغيراً كتلك الصور التي نراها في كتاب الأجنة،بل غدا طفلاً يُحمل..لا يهمني إن كان عمره سبعة أشهر أو ثلاثة،المهم أنه صار كبيراً..صار إنساناً مكتملاً!
يؤلمني حديثها،وتؤلمني نبرة صوتها أكثر..أسمع بكاءها عبر الأثير،فأبكي معها..أبكي طفلاً صغيراً لم أرَه أبداً،لكنني أشعر أنه أثّر فيّ،أنه ترك بصمة!
حين أتحدث،لا أدري إن كنت أخاطبها فقط،أو أخاطب نفسي أيضاً..
-لا أعرف لِم أشعر يا"ريم" أن "راجي" بالرغم من حياته القصيرة جداً قد أدى رسالته..هو كان ابتلاءً لك،لأمك،لأهلك،وربما..حتى لنا!لا أعتقد أننا كنا سنقدّر دراستنا لعلم الأجنة أو حتى للطب بشكل عام لو لم يُولد "راجي" كما هو،بأعضائه التي لم تكتمل،ثم بنموه فيما بعد.."راجي" يا"ريم"،أشعرني أنني كبيرة..كبيرة جداً،وأن حياتي التي عشتها طويلة..طويلة بلا معنى.."راجي"،أدى واجبه ورسالته،ورحل لينعم هناك إلى الأبد..بينما بقينا نحن لنكمل،علّنا نصل حيث استطاع أن يصل..
الموضوع عن هذا الخديج الذي احتل القصة هو موضوع غير مطروق إلى حد ما ، وقد اعتملت أفكار عميقة داخل ذهن الكاتبة عنه ، عن هذا الإنسان غير المكتمل ، استطاعت أن تعبر عن بعضها ، وبعضها لم تستطع ، فحاولت ان تتكلم عنه مباشرة في ذيل القصة ، وبطبيعة الحال ، فإن توليد حالة ما عن أمر ما في ذهن القارئ يقتضي ترك الأمور هائمة تراود مخيلته ، لا أن يتم لملمتها في آخر القصة . أعجبني كثيرا إضاءة هذا التناقض بين العلم الجامد في الكتب والمعامل وبين الحالة الإنسانية النابضة بالحياة فقد جاء تلقائياً وعميقا ، وأعجبني كثيرا هذا المشهد الذي ظهرت الأم الوالدة بدون كثير مقدمات ، لقد ظهرت مجهدة ومتألمة بعد وفاة خديجها . وبالتأكيد أعجبني كثيرا هذا التعبير عن حالة الطفل بين الحياة الحقَّة والموت ( خروجه "للحياة"،وليس "منها".. ) .. والنص من وجهة نظري يتكَّلم عن إعادة اكتشاف الحياة كقيمة وتحدي ، وعن الكائنات الصغيرة التي يمكن أن تأسر بضعفها وانعدام حكمتها الكائنات القوية والذكية ! .. وعن ( اللا اكتمال ) المؤرق المخيف المتحدي في حياة الجنس البشري .. والفكرة جداً جميلة لكنها مرهقة ، وقد وُفِّقت الكاتبة في تجاوز بعض هذا الإرهاق بشيء من اللياقة التي منبعها البساطة .
رأي الأستاذ الدكتور حسين محمد علي في القصة :
اقتباس:
قصة محلقة , بها أخطاء قليلة في اللغة .
رأي الأستاذة عبير النحاس :
اقتباس:
تقييم القصة حسب :
1- (عناصر و شروط القصة ) : أو البناء و الهيكل
2- (الأسلوب) : من حيث القوة و الجاذبية أو الركاكة و الضعف وهو يشمل اللغة من حيث البساطة والأناقة ومناسبتها للعصر وبعدها عن التعقيد والمحسنات المملة وخدمتها للنص والتشويق فيه
ممتاز 50
جيد جدا 45
جيد 35
متوسط 25
ضعيف 15
راجي :
تحقق الشروط والعناصر : ضعيف
الأسلوب : متوسط
الدرجة : 40