كنت تتحدث كثيراً و تقول بأنك بخير .. فيما وجهك النحيل يميل إلى الزرقة شيئاً فشئياً ، يقولُ غير ذلك!
يدك التي كانت تقبض على فرحتي راحت ترتخي هي الأخرى، ولم أعد أراك تبتسم ابتسامتك المتخاذلة تلك .. و الأدهى أنك في آخر مرة زارنا فيه الطبيب صرخت في وجهه بكل وقاحة وطردته بهمجية .. لم تكن لك يوماً!
و كعادتك، ما إن خرج حتى تآكلت ندماً و حرجاً .. وكادت عيناك أن تدمع!
منذ أن سكن في خلاياك هذا المرض البغيض و أنت تتراجع ، تبصُقُ أحلاماً كنا قد بنيناها معاً .. طوباً بطوب ، و ترتشف الأسى كؤوساً تقدمها لك اللحظات ..
كنتَ، أو بالأحرى .. كنا – أنا و أنت- نعرف أنك راحل .. و أن هذه العقاقير و الإبر التي تمتصُّ كل رمقٍ لك بالحياة ما هيَ إلَّا طريقٌ يخفتُ نورهُ كلَّما تقدمنا!
إلَّا أنَّنَا كنَّا نبتسم .. و حينَ يأتي وَقْتُ دوائك، تتــغير .! تتغير و تصبحُ شخصاً آخر، لا أتعرفه!
و يرتدي كل شيءٍ من حولي ضباباً .. و صوتُ أنينك المتوجع يهرول من غرفتك يصلني ملهوفاً ليقتات على حزني .. في آخر محاولة لأتوقف عن الأمل!
لكنه يخفق!
حيث أنني لا أتركك رغم غضبك و ألمك و صراخك .. ثم فجأة، تبكي!
تبكي كأنك طفلٌ صغير سُرقت منه لعبته .. غير أن الفرق الوحيد هو أن المسروق هنا ... أنفاسك!
صوتك المبحوح اثر بكائك يئن يطالبني بالرحيل ... لكنني لا أنصت لك .. بل أتلثم بوجعي و أبتسم ..!
وحين تغط في نومٍ عميق جراء أدويتك المخدرة ، أفكر بأنك حتى في رحيلك رقيق، تخشى عليّ حزناً لا يندمل فيما أنت تموت!
و بت تلك الليلة أحدق فيك .. بوجهك، حواجبك الغليظة، و شفتيك المبيضتين!
لم تتغير كثيراً .. لكن المرض أعياك فلم تعد كما كنت، أصبحتَ هشاً .. هشاً لدرجة أنك لا تقدر على إيقاف رجفة جسدك!
بعد أيامٍ توقفت عن التحدث .. و أصبحت تصمتُ كثيراً بالتالي أتوجع كثيراً .. الكآبة كانت تطل من محيانا تبتسم لهكذا أجواء!
وكنت أجلس بالقرب منك على كرسي بعيد نسبياً، لأنك تمنعني أن أمسك بيدك خشيةَ أن ألاحظ رجفتك .. لا تعلم بأنني أتمسك بها ما إن تغط في نومك .. و تكثر رجفتك!
وأصبحت ترسلني دوماً للخارج تطلبُ أشياءً سخيفة .. كحزمة كبيرة من الجرائد و المجلات .. و أمتنع خوفاً من أذهب وأعود ألقاك رحلت .. لكنك تصر فأقول دون وعي: لن تجد الوقت لقرائتها فلماذا تريدها؟!
و تتألم ...... و أبكي أنا ندماً، لكنك تصمت و لا تحرك ساكناً!
ذات صباح صافٍ ، زارنا الطبيب أكثر من مرة، و في عينيه نظرةٌ مشفقة .. و أصريت أنت كثيراً .... و صوتك الحبيب يرتعد: لا أطلب الكثير، مجرد ريحان .. تجدينه في السوق المقابل مكان عملي ..
وترتخي لحظات ثم تكمل: القديم!!
فلم أستطع سوى أن ألبي لك هذا الطلب .. قبل أن أخرج ناديتني .. فالتفتُ لك بوجهٍ جامد، كنت تبتسم بارتجاف .. لكنك تبتسم وشيءٌ من نورٍ خفيف يغطي وجهك .. قلتَ ببساطةٍ و أنت تقذف لروحي أفراحاً : أحبك!
ثم خرجتُ .. و طوال الطريق، و قلبي يحلق طرباً .. و أملاً بأنك اليوم تبتسم ...... لم أكن أفكر ولو لثانية، أن جلب الريحان سيعطيك بعضاً من فرح!
عندما عدت .. لم أجدك في غرفتك، و كدت أن أقع على وجهي ... دماراً!
لكن الممرضة أخبرتني بأنك في غرفة العلاج .. لم يكن وقت دوائك قد حان، لكنني أمسكت باقة الريحان بسعادة وجلست أنتظرك .. لم أرد أن أسمع صوتك تئن كالعادة، فابتعدت كثيراً أنتظرك أمام نافذة غرفتك .. ولم تأتي .. وانتظرت .. ثم لم تأتي!
رجفةٌ كرجفتك جثت على ساقي .. فلم أستطع الحراك ... ماذا لو؟!
لكنني نفضت كل خاطرٍ أحمق قد يراودني و خرجت متجهةً لغرفة العلاج .. حين ولجت الممر الكئيب الطويل .. كان الصمت يتجول على الجدران .. و الأرضية باردة موحشة ..
صوتُ خطواتي هو الوحيد المتردد ... قابلت الممرضة المسؤولة عن القسم .. كانت تكتب على الوراق فلم أشأ أن أقاطعها ... بل لم أشأ أن أحطم قلبي بأنك لم تعد هنا!
رفعتْ رأسها باتجاهي باسمة .. لم أحرك ساكناً وهي تقول: آنسة عبير ما الأمر؟
خرجت أحرفي متَتَأتِئةً: أين هو؟!
حتى اسمك .. حتى هو لم أرد أن أردده ليتيح لها أن تخلط بين الأوراق فتعطيني نتيجة أخرى، ربما أفضل من حالتك!
لكنني نسيت أنها تعرفني ... و أنها تعرفك!
: ..... ألم تلتق بالطبيب المناوب؟
بعنف هززت رأسي .. و صمت!
لكنها باغتتني لتقول بجمود كما لو أن صوتها مسجلٌ منذ القدم، وحان وقت خروجه .. عارياً ليصيبني في مقتل!
: سائت حالته ما إن خرجتِ .. فأعطوه أدويته و المهدئات .. لكن شيئاً من ذلك لم ينفع .. آسفة!
صمتُ الجدرانِ أصبح ضجيجاً ,, و برودةُ الأرضيةِ غدت حريقاً .. تلقفني حين غفلة من أحاسيسي حين سقطتُ مغشياً علي .. أو ميتة!
فلم يعد يهم!
مواقع النشر (المفضلة)