أقحوانة
28-07-2010, 09:12 AM
نزار قباني 1923-1988
"سيد التغيير.. والتفجير ..
والتحريض.. والرفض أنا
سيد العُربة.. والمنفي،أنا"
ولد نزار توفيق قباني بحي مئذنة الشحم، أحد أحياء دمشق القديمة الذي كانت المنازل القديمة فيه تزخر بأشجار الياسمين حتى صار الياسمين في شعره هو المرادف للوطن.
و ينحدر من أسرة دمشقية عريقة كان من أبرز أفرادها جده أبو خليل القباني من أبرز مؤسسي المسرح العربي في القرن التاسع عشر، أما والده توفيق القباني فقد كان أحد رجال الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي.
درس نزار بمدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق و حصل منها على شهادة البكالوريا، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وعمل فور تخرجه بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية، وكان أول منصب تقلده وهو في الثانية والعشرين من عمره ملحقاً بالسفارة السورية في القاهرة، وقضى فيها ثلاث سنوات (1945-1948)، يقول نزار: "للقاهرة علي فضل الربيع على الشجر، وبصمات يديها ترى واضحة على مجموعتي الثانية (طفولة نهد) المطبوعة في القاهرة ..." وبعد الثلاث سنوات شرد نزار في بلاد الله كلها عاملاً في السلك الدبلوماسي السوري في كل من لندن والصين وأسبانيا حتى استقال من السلك الدبلوماسي 1966 ليؤسس (منشورات نزار قباني) في بيروت حيث استقر فيها.
و قد تزوج مرتين، أولاً من مرأة سورية تدعى (زهرة) وأنجب منها هدباء وتوفيق وزهراء، ثم تزوج من (بلقيس الراوي) العراقية وأنجب منها عمر وزينب.
ظل نزار في بيروت وعاصر الحرب الأهلية بها، حتى لقيت زوجته بلقيس مصرعها تحت أنقاض السفارة العراقية ببيروت، فرثاها بدموع قلبه ورفض أن يتزوج بعدها، فعاش بعد ذلك سبع سنوات وحيداً في منفاه الاختياري بلندن حتى رحيله عن عمر يناهز الخمسة والسبعين.
"أنا كما عرفتموني
هوايتي أن أكسر القانون
أنا كما عرفتموني دائماً
أكون بالشعر . . وإلا لا أريد أن أكون. . ."
دواوينه:
كان شعر الغزل الجريء هو الطابع السائد على قصائد نزار، وحين أصدر أول دواوينه (قالت لي السمراء) في دمشق 1944 - عندما كان يدرس بكلية الحقوق - أثار ضجة كبيرة وهاجمه كثيرون، ثم أصدر ديوانه الثاني (طفولة نهد) في القاهرة وقد رحب به الناقد المصري (أنور المعداوي)، ثم توالت دواوينه الشعرية: سامبا - أنت لي - قصائد - حبيبتي - الرسم بالكلمات - يوميات - امرأة لا مبالية - قصائد متوحشة - كتاب الحب - أشعار خارجة على القانون - أحبك أحبك.. والبقية تأتي - إلى بيروت الأنثى مع حبي - 100 رسالة حب - كل عام وأنت حبيبتي - أشهد ألا امرأة إلا أنت - لا غالب إلا الحب - سيبقى الحب سيدي - أشعار مغضوب عليها... إلخ
وسأكتفي باستعراض بعض القصائد الثورية السياسية المغزى لأني أكره القصائد الغزلية، فضلا عن أن الجميع يعرف نزار شاعر المرأة أكثر من نزار شاعر الثورة.
"يسرني جداً. .
بأن ترعبكم قصائدي
وعندكم، من يقطع الأعناق. .
يسعدني جداً. . بأن ترتعشوا
من قطرة الحبر. .
ومن خشخشة الأوراق. ."
رحلته مع الشعر السياسي ومعاركه:
- خبز وحشيش وقمر (1945)
بكى العالم الإسلامي أجمع بعد نكبة 1948، وزخر الأدب بالدموع الآسية على حال الأمة الإسلامية، بينما صرخت الكثير من القصائد الحماسية مستحثة الأمة الإسلامية، لكن ثورة نزار قباني كانت مختلفة مفاجئة، إذ أخذ يعاتب وينتقد أمته بشدة، ويوقظها من أوهامها الحالمة، ويعتب عليها التوقف عند اجتثاث التاريخ ، إنه يستخدم أسلوب "الكي بالنار" لمعالجة جراح أمته عندما استعصت على كل الأدوية كما يحلو له أن يبرر أسلوبه اللاذع،
فخرج بقصيدته (خبز وحشيش وقمر) عن الأسلوب التحفيزي اللين الراجي اللذي اعتاده القارئ العربي، وقد انهالت عليه ردات الفعل متضاربة بين معارض ومؤيد، حتى أثارت قصيدته مناقشات ساخنة في جلسات البرمان السوري.
مقطع من آخر قصيدته:
في بلادي. . في بلاد البسطاء
حيث نجتر التواشيح الطويلة
ذلك السل الذي يفتك بالشرق
التواشيح الطويلة. .
شرقنا المجتر. . تاريخاً
وأحلاماً كسولة. .
شرقنا الباحث عن كل بطولة. .
في "أبي زيد الهلالي"! . . .
- هوامش على دفتر النكسة (1967)
أحدثت نكسة 1967 تحولاً في شعر نزار الذي كان غزلياً أغلبَه، فأخذ منحىً ثائراً معارضاً لسياسات الحكومات العربية ولعادات شعوبها، محاولاً معالجة علل العرب كما يزعم، وإن كان لا يزال يخلل شعره الثوري بالغزل بين ثنايا سطوره.
يقول نزار في نفس القصيدة: "ياوطني الحزين، حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين"
وقد نشرت قصيدته أول ما نشرت في مجلة (الآداب) اللبنانية بعد النكسة مباشرة، وكانت ردود الفعل المنهالة عليه هائلة من شتى الأقطار العريبة، حتى صودرت المجلة التي نشرت القصيدة وأحرقت أعدادها في أكثر من مدينة عربية، ثم تناقلها الناس بطريقة سرية.
وقد هاجمت العديدُ من المقالات والقصائد لبعض الكتاب قصيدةَ نزار بالرفض والإدانة,
ومنهم الشاعر اللبناني (خازن عبود) الذي هاجمه بقصيدة بعنوان (يا شاعر الدانتيل والفستان) قال فيها:
"لأنك ابتعدت عن قضية الإنسان
يا شاعر الدانتيل والفستان
لأنك ابتعدت عن قضية النضال
وعشت في شعرك
للذات والنساء والسيقان
فشعرك انحلال
يا شاعر النهود والكؤوس والشراب
أفسدت في أمتنا الشباب
******
آخر من يحكي عن المأساة
عن سبب المأساه
من أنفق العمر بلا حساب
في الحب بين الناي والرباب
في مخدع الآهات بين الكأس والشراب
يا شاعر النهود والكؤوس والشراب
أفسدت في أمتنا الشباب"
يقول محمد رضوان:
"وكان نزار يتفرج على الحجارة المتساقطة على شبابيكه بهدوء عجيب وهو في مكتبه ببيروت، ويستمع إلى لعنات اللاعنين، وصراخ الصارخين بابتسامة عريضة.
ولم يكن في نيته عندما كتب (الهوامش) أن يمارس تعذيب النفس, أو تعذيب الآخرين, ولا أن يسرق أضواء الكاميرا, ففي ساعات الحزن الكبير تتكسر كل الكاميرات, ويصبح هذا المجد باطل الأباطيل.
ثم ماهو هذا المجد الذي يأكل من جثة التاريخ . . ويترعرع في ظل الموت والخرائب؟"
و بعد هذه الحملة الضاربة التي شنت على نزار قباني وُجّهت إليه عريضة الاتهام التالية:
1. أن نزار شاعر وهب روحه للشيطان وللمرأة, وللغزل الفاحش, فلا يحق له بالتالي أن يكتب شعر الوطنية.
2. نزار هو المسؤول الأول عن هزيمة يونية (حزيران) بما كتبه ونشره خلال عشرين عاماً من شعر عاطفي ساعد على انحلال أخلاق الجيل الجديد.
3. أنه في (هوامش على دفتر النكسة) سادي يعذب أمته, ويرقص فوق جراحها.
4. أنه يثبط الهمم، ويقتل الأمل، وبالتالي فهو عميل يخدم بكلامه مصلحة العدو، ولذا يجب شطب اسمه من قائمة العرب.
5. أنه ليس وطنياً، ولكنه ركب موجة الوطنية، وولادته بعد (حزيران) كشاعر ثوري ولادة غير طبيعية!
و إنني مع هذه العريضة :117:
ثم طالب كتاب كثيرون بمنع دخول نزار إلى مصر, ويستعدون عليه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بالإيماء أنه هو المقصود بالهوامش, فحين رآى نزار أن الحملة خرجت عن نطاق النقد والحوار الأدبي قرر أن يتوجه مباشرة إلى الزعيم جمال عبد الناصر, فبعث إليه رسالة يبرر فيها موقفه بعد النكسة, ويشكو إليه ما فرضته السلطات المصرية من حصار إعلامي على قصيدته وعليه, ويبين أن القضية ليست مجرد قضية شاعر, بل قضية حرية الفكر العربي وشجاعته!
و يختم رسالته: "يا سيادة الرئيس . .
لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه, والمجروح على جراحه, ويسمح باضطهاد شاعر عربي أراد أن يكون شريفاً وشجاعاً في مواجهة نفسه وأمته, فدفع ثمن صدقه وشجاعته.
يا سيدي الرئيس
لا أصدق أن هذا يحدث في عصرك"
و أود الإشادة برسالة نزار أسلوباً ولغةً, كاد يقنعني بأن موقفه صحيح لا غبار عليه :131:"إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً"
ثم تغير اتجاه الرياح بموقف جمال عبد الناصر:
" 1. لم أقرأ قصيدة نزار قباني إلا في النسخة التي أرسلها إلي، وأنا لا أجد أي وجه من وجوه الاعتراض عليها.
2. تلغى كل التدابير التي قد تكون اتخذت خطأً بحق الشاعر ومؤلفاته, ويطلب إلى وزارة الإعلام السماح بتداول القصيدة.
3. يدخل الشاعر نزار قباني إلى الجمهورية العربية المتحدة متى أراد و يكرم فيها كما كان في السابق.
التوقيع: جمال عبد الناصر"
ما أجمل نشوة انتصار من كان مهزوماً, وإن لم تكن لي صلة بالمعركة :131:
الجدير بالذكر أن نزار لم يكتب حرفاً واحداً في مديح عبد الناصر حتى وفاته - أي عبد الناصر-,
لكأنه يريد تزكية نفسه من المتاجرة بالحرف, على أنه أكثر من بكاه بعد وفاته, ولم أقرأ شعراً له أجمل مما رثى به عبد الناصر, حتى انحصرت حيرتي في اختيار القصيدة - التي سأحللها - بين مرثياته, وكدت أفرد لمرثياته تلك موضوعا خاصاً لولا أنني تذكرت كم هو ممتع أسلوبي :131:
مقاطع من قصيدته:
إذا خسرنا الحرب لا غرابة . . لأننا ندخلها . .
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لأننا ندخلها . .
بمنطق الطبلة والربابة
******
خلاصة القضية توجز في عبارة
لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية . .
******
يا أيها الأطفال . . أنتم سنابل الآمال
وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال، ويقتل الأيفون في رؤوسنا . .
ويقتل الخيال . .
يا أيها الأطفال أنتم - بعد - طيبون
وطاهرون، كالندى والثلج، طاهرون
لا تقرأوا أخبارنا
لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
فنحن جيل الدجل، والرقص على الحبال
يا أيها الأطفال:
يا مطر الربيع، يا سنابل الآمال
أنتم بذور الخصب في حياتنا العميقة
وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة
و أخيرا مع عمله الذي سأحلله, لا أعلم لم ركنت كل شعره فجأةً واخترت هذا:
(( أجد أن الأمانة التاريخية تقتضي أن أسجل للرئيس جمال عبد الناصر موقفاً لا يقفه عادة إلا عظماء النفوس, واللماحون, والموهوبون الذين انكشفت بصيرتهم، وشفت رؤيتهم، فارتفعوا بقياداتهم وتصرفاتهم إلى أعلى مراتب الإنسانية والسمو الروحي.
فلقد وقف الرئيس عبد الناصر إلى جانبي, يوم كانت الدنيا ترعد وتمطر على قصيدتي "هوامش على دفتر النكسة" وكسر الحصار الرسمي الذي كان يحاول أن يعزلني عن مصر، فقضيتي مع الرئيس عبد الناصر ليست قضية شخصية, أي علاقة بين قصيدة ممنوعة ورقيب يمنعها، إنها تتخطى هذا المفهوم الضيق لتناقش من الأساس طبيعة العلاقة بين من يكتب ومن يحكم . . بين الفكر وبين السلطة.
فالعلاقة بين الكاتب وبين الحاكم علاقة غير سعيدة لأنها علاقة قائمة في الأصل على سوء الفهم وانعدام الثقة.
لا الكاتب يستطيع أن يتخلى عن غريزة الكلام, ولا الحاكم يقبل أن يسمع صوتاً غير صوته, وإذا قبل أن يستمع فلا يطربه إلا صوت الكورس الرسمي.
ومنذ القديم كان الكلام يقف في جهة, والمقصلة تقف في الجهة المقابلة, ومع هذا لم يتوقف الكلام، ولم تتعب المقصلة!
لقد كسر الرئيس عبد الناصر بموقفه الكبير جدار الخوف القائم بين الفن وبين السلطة, وبين الإبداع وبين الثورة, واستطاع أن يكشف - بما أوتي من حدس وشمول في الرؤية - أن الفن والثورة توأم سيامي ملتصق، وحصانان يجران عربة واحدة . . وإن كل محاولة لفصلهما ستحطم العربة, وتقتل الحصانين))
لكأن نزار قباني يريد جمع شعره ونثره لجمال عبد الناصر، ولتخليد ما يرى من موقفه التاريخي العظيم من الفكر الأدبي كحاكم، فغير بذلك العلاقة بين الفكر والسلطة.
بدأ نزار بالثناء موقف جمال عبد الناصر دون أن يكشف عن موقفه، وهذا يشد القارئ للموضوع، ويبعث في نفسه التساؤل الذي يدر تعظيما لهذا الموقف المنتظر, ثم وضحّ الموقف باختصار شديد محصوراً على موقف عبد الناصر من نزار وقصيدته، ثم وسع دائرة تأثير الموقف على مختلف الحكومات والمفكرين، تلك الدائرة التي من الطبيعي أن تكون ضيقة في نظر من قرأ أولاً وصف نزار قباني البدائي للموقف :177: ، ثم طرح القضية المتمثلة في العلاقة السيئة العنيدة بين الكاتب والحاكم، وكيف أنها متأصلة منذ القدم في الأرض العربية، ثم أشاد بموقف عبد الناصر الذي رآى أنه أزاح الحواجز المنصوبة بين الفكر والسلطة، وغيّر المفهوم المباعد بين الإبداع والثورة، و اكتشف نزار من الموقف أن عبد الناصر اكتشف العلاقة المتينة بين الفن والثورة، و كيف أن محاولة الفصل بينهما قتل للفكر العربي.
و أتمنى أني قد وصلت لإمتاعكم ..
و شكراً كثيراً لمن قرأت لي :141:
___________________
يا سادتي:
قاتلت عصراً لا مثيل لقبحه
و فتحت جرح قبيلتي المتعفنا . .
أنا لست مكترثاً
بكل الباعة المتجولين . .
و كل كتاب البلاط . .
و كل من جعلوا الكتابة حرفة
******
يا سادتي:
عفواً إذا أقلقتكم
أنا لست مضطراً
هذا أنا . . .
هذا أنا . . .
هذا أنا . . .
"سيد التغيير.. والتفجير ..
والتحريض.. والرفض أنا
سيد العُربة.. والمنفي،أنا"
ولد نزار توفيق قباني بحي مئذنة الشحم، أحد أحياء دمشق القديمة الذي كانت المنازل القديمة فيه تزخر بأشجار الياسمين حتى صار الياسمين في شعره هو المرادف للوطن.
و ينحدر من أسرة دمشقية عريقة كان من أبرز أفرادها جده أبو خليل القباني من أبرز مؤسسي المسرح العربي في القرن التاسع عشر، أما والده توفيق القباني فقد كان أحد رجال الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي.
درس نزار بمدرسة الكلية العلمية الوطنية بدمشق و حصل منها على شهادة البكالوريا، ثم التحق بكلية الحقوق بالجامعة السورية وعمل فور تخرجه بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية السورية، وكان أول منصب تقلده وهو في الثانية والعشرين من عمره ملحقاً بالسفارة السورية في القاهرة، وقضى فيها ثلاث سنوات (1945-1948)، يقول نزار: "للقاهرة علي فضل الربيع على الشجر، وبصمات يديها ترى واضحة على مجموعتي الثانية (طفولة نهد) المطبوعة في القاهرة ..." وبعد الثلاث سنوات شرد نزار في بلاد الله كلها عاملاً في السلك الدبلوماسي السوري في كل من لندن والصين وأسبانيا حتى استقال من السلك الدبلوماسي 1966 ليؤسس (منشورات نزار قباني) في بيروت حيث استقر فيها.
و قد تزوج مرتين، أولاً من مرأة سورية تدعى (زهرة) وأنجب منها هدباء وتوفيق وزهراء، ثم تزوج من (بلقيس الراوي) العراقية وأنجب منها عمر وزينب.
ظل نزار في بيروت وعاصر الحرب الأهلية بها، حتى لقيت زوجته بلقيس مصرعها تحت أنقاض السفارة العراقية ببيروت، فرثاها بدموع قلبه ورفض أن يتزوج بعدها، فعاش بعد ذلك سبع سنوات وحيداً في منفاه الاختياري بلندن حتى رحيله عن عمر يناهز الخمسة والسبعين.
"أنا كما عرفتموني
هوايتي أن أكسر القانون
أنا كما عرفتموني دائماً
أكون بالشعر . . وإلا لا أريد أن أكون. . ."
دواوينه:
كان شعر الغزل الجريء هو الطابع السائد على قصائد نزار، وحين أصدر أول دواوينه (قالت لي السمراء) في دمشق 1944 - عندما كان يدرس بكلية الحقوق - أثار ضجة كبيرة وهاجمه كثيرون، ثم أصدر ديوانه الثاني (طفولة نهد) في القاهرة وقد رحب به الناقد المصري (أنور المعداوي)، ثم توالت دواوينه الشعرية: سامبا - أنت لي - قصائد - حبيبتي - الرسم بالكلمات - يوميات - امرأة لا مبالية - قصائد متوحشة - كتاب الحب - أشعار خارجة على القانون - أحبك أحبك.. والبقية تأتي - إلى بيروت الأنثى مع حبي - 100 رسالة حب - كل عام وأنت حبيبتي - أشهد ألا امرأة إلا أنت - لا غالب إلا الحب - سيبقى الحب سيدي - أشعار مغضوب عليها... إلخ
وسأكتفي باستعراض بعض القصائد الثورية السياسية المغزى لأني أكره القصائد الغزلية، فضلا عن أن الجميع يعرف نزار شاعر المرأة أكثر من نزار شاعر الثورة.
"يسرني جداً. .
بأن ترعبكم قصائدي
وعندكم، من يقطع الأعناق. .
يسعدني جداً. . بأن ترتعشوا
من قطرة الحبر. .
ومن خشخشة الأوراق. ."
رحلته مع الشعر السياسي ومعاركه:
- خبز وحشيش وقمر (1945)
بكى العالم الإسلامي أجمع بعد نكبة 1948، وزخر الأدب بالدموع الآسية على حال الأمة الإسلامية، بينما صرخت الكثير من القصائد الحماسية مستحثة الأمة الإسلامية، لكن ثورة نزار قباني كانت مختلفة مفاجئة، إذ أخذ يعاتب وينتقد أمته بشدة، ويوقظها من أوهامها الحالمة، ويعتب عليها التوقف عند اجتثاث التاريخ ، إنه يستخدم أسلوب "الكي بالنار" لمعالجة جراح أمته عندما استعصت على كل الأدوية كما يحلو له أن يبرر أسلوبه اللاذع،
فخرج بقصيدته (خبز وحشيش وقمر) عن الأسلوب التحفيزي اللين الراجي اللذي اعتاده القارئ العربي، وقد انهالت عليه ردات الفعل متضاربة بين معارض ومؤيد، حتى أثارت قصيدته مناقشات ساخنة في جلسات البرمان السوري.
مقطع من آخر قصيدته:
في بلادي. . في بلاد البسطاء
حيث نجتر التواشيح الطويلة
ذلك السل الذي يفتك بالشرق
التواشيح الطويلة. .
شرقنا المجتر. . تاريخاً
وأحلاماً كسولة. .
شرقنا الباحث عن كل بطولة. .
في "أبي زيد الهلالي"! . . .
- هوامش على دفتر النكسة (1967)
أحدثت نكسة 1967 تحولاً في شعر نزار الذي كان غزلياً أغلبَه، فأخذ منحىً ثائراً معارضاً لسياسات الحكومات العربية ولعادات شعوبها، محاولاً معالجة علل العرب كما يزعم، وإن كان لا يزال يخلل شعره الثوري بالغزل بين ثنايا سطوره.
يقول نزار في نفس القصيدة: "ياوطني الحزين، حولتني بلحظة
من شاعر يكتب شعر الحب والحنين
لشاعر يكتب بالسكين"
وقد نشرت قصيدته أول ما نشرت في مجلة (الآداب) اللبنانية بعد النكسة مباشرة، وكانت ردود الفعل المنهالة عليه هائلة من شتى الأقطار العريبة، حتى صودرت المجلة التي نشرت القصيدة وأحرقت أعدادها في أكثر من مدينة عربية، ثم تناقلها الناس بطريقة سرية.
وقد هاجمت العديدُ من المقالات والقصائد لبعض الكتاب قصيدةَ نزار بالرفض والإدانة,
ومنهم الشاعر اللبناني (خازن عبود) الذي هاجمه بقصيدة بعنوان (يا شاعر الدانتيل والفستان) قال فيها:
"لأنك ابتعدت عن قضية الإنسان
يا شاعر الدانتيل والفستان
لأنك ابتعدت عن قضية النضال
وعشت في شعرك
للذات والنساء والسيقان
فشعرك انحلال
يا شاعر النهود والكؤوس والشراب
أفسدت في أمتنا الشباب
******
آخر من يحكي عن المأساة
عن سبب المأساه
من أنفق العمر بلا حساب
في الحب بين الناي والرباب
في مخدع الآهات بين الكأس والشراب
يا شاعر النهود والكؤوس والشراب
أفسدت في أمتنا الشباب"
يقول محمد رضوان:
"وكان نزار يتفرج على الحجارة المتساقطة على شبابيكه بهدوء عجيب وهو في مكتبه ببيروت، ويستمع إلى لعنات اللاعنين، وصراخ الصارخين بابتسامة عريضة.
ولم يكن في نيته عندما كتب (الهوامش) أن يمارس تعذيب النفس, أو تعذيب الآخرين, ولا أن يسرق أضواء الكاميرا, ففي ساعات الحزن الكبير تتكسر كل الكاميرات, ويصبح هذا المجد باطل الأباطيل.
ثم ماهو هذا المجد الذي يأكل من جثة التاريخ . . ويترعرع في ظل الموت والخرائب؟"
و بعد هذه الحملة الضاربة التي شنت على نزار قباني وُجّهت إليه عريضة الاتهام التالية:
1. أن نزار شاعر وهب روحه للشيطان وللمرأة, وللغزل الفاحش, فلا يحق له بالتالي أن يكتب شعر الوطنية.
2. نزار هو المسؤول الأول عن هزيمة يونية (حزيران) بما كتبه ونشره خلال عشرين عاماً من شعر عاطفي ساعد على انحلال أخلاق الجيل الجديد.
3. أنه في (هوامش على دفتر النكسة) سادي يعذب أمته, ويرقص فوق جراحها.
4. أنه يثبط الهمم، ويقتل الأمل، وبالتالي فهو عميل يخدم بكلامه مصلحة العدو، ولذا يجب شطب اسمه من قائمة العرب.
5. أنه ليس وطنياً، ولكنه ركب موجة الوطنية، وولادته بعد (حزيران) كشاعر ثوري ولادة غير طبيعية!
و إنني مع هذه العريضة :117:
ثم طالب كتاب كثيرون بمنع دخول نزار إلى مصر, ويستعدون عليه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر بالإيماء أنه هو المقصود بالهوامش, فحين رآى نزار أن الحملة خرجت عن نطاق النقد والحوار الأدبي قرر أن يتوجه مباشرة إلى الزعيم جمال عبد الناصر, فبعث إليه رسالة يبرر فيها موقفه بعد النكسة, ويشكو إليه ما فرضته السلطات المصرية من حصار إعلامي على قصيدته وعليه, ويبين أن القضية ليست مجرد قضية شاعر, بل قضية حرية الفكر العربي وشجاعته!
و يختم رسالته: "يا سيادة الرئيس . .
لا أريد أن أصدق أن مثلك يعاقب النازف على نزيفه, والمجروح على جراحه, ويسمح باضطهاد شاعر عربي أراد أن يكون شريفاً وشجاعاً في مواجهة نفسه وأمته, فدفع ثمن صدقه وشجاعته.
يا سيدي الرئيس
لا أصدق أن هذا يحدث في عصرك"
و أود الإشادة برسالة نزار أسلوباً ولغةً, كاد يقنعني بأن موقفه صحيح لا غبار عليه :131:"إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً"
ثم تغير اتجاه الرياح بموقف جمال عبد الناصر:
" 1. لم أقرأ قصيدة نزار قباني إلا في النسخة التي أرسلها إلي، وأنا لا أجد أي وجه من وجوه الاعتراض عليها.
2. تلغى كل التدابير التي قد تكون اتخذت خطأً بحق الشاعر ومؤلفاته, ويطلب إلى وزارة الإعلام السماح بتداول القصيدة.
3. يدخل الشاعر نزار قباني إلى الجمهورية العربية المتحدة متى أراد و يكرم فيها كما كان في السابق.
التوقيع: جمال عبد الناصر"
ما أجمل نشوة انتصار من كان مهزوماً, وإن لم تكن لي صلة بالمعركة :131:
الجدير بالذكر أن نزار لم يكتب حرفاً واحداً في مديح عبد الناصر حتى وفاته - أي عبد الناصر-,
لكأنه يريد تزكية نفسه من المتاجرة بالحرف, على أنه أكثر من بكاه بعد وفاته, ولم أقرأ شعراً له أجمل مما رثى به عبد الناصر, حتى انحصرت حيرتي في اختيار القصيدة - التي سأحللها - بين مرثياته, وكدت أفرد لمرثياته تلك موضوعا خاصاً لولا أنني تذكرت كم هو ممتع أسلوبي :131:
مقاطع من قصيدته:
إذا خسرنا الحرب لا غرابة . . لأننا ندخلها . .
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة
لأننا ندخلها . .
بمنطق الطبلة والربابة
******
خلاصة القضية توجز في عبارة
لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية . .
******
يا أيها الأطفال . . أنتم سنابل الآمال
وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال، ويقتل الأيفون في رؤوسنا . .
ويقتل الخيال . .
يا أيها الأطفال أنتم - بعد - طيبون
وطاهرون، كالندى والثلج، طاهرون
لا تقرأوا أخبارنا
لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
فنحن جيل الدجل، والرقص على الحبال
يا أيها الأطفال:
يا مطر الربيع، يا سنابل الآمال
أنتم بذور الخصب في حياتنا العميقة
وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة
و أخيرا مع عمله الذي سأحلله, لا أعلم لم ركنت كل شعره فجأةً واخترت هذا:
(( أجد أن الأمانة التاريخية تقتضي أن أسجل للرئيس جمال عبد الناصر موقفاً لا يقفه عادة إلا عظماء النفوس, واللماحون, والموهوبون الذين انكشفت بصيرتهم، وشفت رؤيتهم، فارتفعوا بقياداتهم وتصرفاتهم إلى أعلى مراتب الإنسانية والسمو الروحي.
فلقد وقف الرئيس عبد الناصر إلى جانبي, يوم كانت الدنيا ترعد وتمطر على قصيدتي "هوامش على دفتر النكسة" وكسر الحصار الرسمي الذي كان يحاول أن يعزلني عن مصر، فقضيتي مع الرئيس عبد الناصر ليست قضية شخصية, أي علاقة بين قصيدة ممنوعة ورقيب يمنعها، إنها تتخطى هذا المفهوم الضيق لتناقش من الأساس طبيعة العلاقة بين من يكتب ومن يحكم . . بين الفكر وبين السلطة.
فالعلاقة بين الكاتب وبين الحاكم علاقة غير سعيدة لأنها علاقة قائمة في الأصل على سوء الفهم وانعدام الثقة.
لا الكاتب يستطيع أن يتخلى عن غريزة الكلام, ولا الحاكم يقبل أن يسمع صوتاً غير صوته, وإذا قبل أن يستمع فلا يطربه إلا صوت الكورس الرسمي.
ومنذ القديم كان الكلام يقف في جهة, والمقصلة تقف في الجهة المقابلة, ومع هذا لم يتوقف الكلام، ولم تتعب المقصلة!
لقد كسر الرئيس عبد الناصر بموقفه الكبير جدار الخوف القائم بين الفن وبين السلطة, وبين الإبداع وبين الثورة, واستطاع أن يكشف - بما أوتي من حدس وشمول في الرؤية - أن الفن والثورة توأم سيامي ملتصق، وحصانان يجران عربة واحدة . . وإن كل محاولة لفصلهما ستحطم العربة, وتقتل الحصانين))
لكأن نزار قباني يريد جمع شعره ونثره لجمال عبد الناصر، ولتخليد ما يرى من موقفه التاريخي العظيم من الفكر الأدبي كحاكم، فغير بذلك العلاقة بين الفكر والسلطة.
بدأ نزار بالثناء موقف جمال عبد الناصر دون أن يكشف عن موقفه، وهذا يشد القارئ للموضوع، ويبعث في نفسه التساؤل الذي يدر تعظيما لهذا الموقف المنتظر, ثم وضحّ الموقف باختصار شديد محصوراً على موقف عبد الناصر من نزار وقصيدته، ثم وسع دائرة تأثير الموقف على مختلف الحكومات والمفكرين، تلك الدائرة التي من الطبيعي أن تكون ضيقة في نظر من قرأ أولاً وصف نزار قباني البدائي للموقف :177: ، ثم طرح القضية المتمثلة في العلاقة السيئة العنيدة بين الكاتب والحاكم، وكيف أنها متأصلة منذ القدم في الأرض العربية، ثم أشاد بموقف عبد الناصر الذي رآى أنه أزاح الحواجز المنصوبة بين الفكر والسلطة، وغيّر المفهوم المباعد بين الإبداع والثورة، و اكتشف نزار من الموقف أن عبد الناصر اكتشف العلاقة المتينة بين الفن والثورة، و كيف أن محاولة الفصل بينهما قتل للفكر العربي.
و أتمنى أني قد وصلت لإمتاعكم ..
و شكراً كثيراً لمن قرأت لي :141:
___________________
يا سادتي:
قاتلت عصراً لا مثيل لقبحه
و فتحت جرح قبيلتي المتعفنا . .
أنا لست مكترثاً
بكل الباعة المتجولين . .
و كل كتاب البلاط . .
و كل من جعلوا الكتابة حرفة
******
يا سادتي:
عفواً إذا أقلقتكم
أنا لست مضطراً
هذا أنا . . .
هذا أنا . . .
هذا أنا . . .